الذهبي
292
سير أعلام النبلاء
معرفة السنة علما وعملا ، وفي معرفة الحديث وفنونه ، ومعرفة الفقه وفروعه . وكان رأسا في الزهد والورع والعبادة والصدق . قال صالح بن أحمد : قدم المتوكل فنزل الشماسية ( 1 ) ، يريد المدائن ، فقال لي أبي : أحب أن لا تذهب إليهم تنبه علي . فلما كان بعد يوم أنا قاعد ، وكان يوما مطيرا ، فإذا بيحيى بن خاقان قد جاء في موكب عظيم ، والمطر عليه ، فقال لي : سبحان الله لم تصر إلينا حتى تبلغ أمير المؤمنين السلام عن شيخك ، حتى وجه بي ، ثم نزل خارج الزقاق ، فجهدت به أن يدخل على الدابة فلم يفعل ، فجعل يخوض المطر . فلما وصل نزع جرموقة ( 2 ) ، ودخل ، وأبي في الزاوية عليه كساء ، فسلم عليه ، وقبل جبهته ، وساءله عن حاله ، وقال : أمير المؤمنين يقرئك السلام ، ويقول : كيف أنت في نفسك ، وكيف حالك ؟ وقد أنست بقربك ، ويسألك أن تدعو له . فقال : ما يأتي علي يوم إلا وأنا أدعو الله له . ثم قال : قد وجه معي ألف دينار تفرقها على أهل الحاجة . فقال : يا أبا زكريا ، أنا في بيت منقطع ، وقد أعفاني من كل ما أكره ، وهذا مما أكره . فقال : يا أبا عبد الله ، الخلفاء لا يحتملون هذا . فقال : يا أبا زكريا ، تلطف في ذلك . فدعا له ، ثم قام . فلما صار إلى الدار ، رجع ، وقال : هكذا لو وجه إليك بعض إخوانك كنت تفعل ؟ قال : نعم . فلما صرنا إلى الدهليز ، قال : قد أمرني أمير المؤمنين أدفعها إليك تفرقها . فقلت : تكون عندك إلى أن تمضي هذه الأيام . أحمد بن محمد بن الحسين بن معاوية الرازي : حدثنا بكر بن عبد الله
--> ( 1 ) بفتح أوله وتشديد ثانيه ، ثم سين مهملة مكسورة ، وهي مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد ، وهي أعلى من الرصافة ومحلة أبي حنيفة . ( 2 ) وهو ما يلبس فوق الخف .